فصل: الخبر عن واقعة الرياس وما كان قبلها من مهلك الأمير أبي فارس أخي السلطان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  خبر عن حصار بجاية وبناء تيمرزدكت وانهزام عساكر السلطان عليها

كان أبو تاشفين مند خلا له الجو وتمكنت في الأمر منه القدم يلح على بجاية بترديد البعوث ومطاولة الحصار والسلطان أبو بكر يدفع لحمايتها من رجالات دولته وعظماء وزرائه الأول فالأول من أهل الكفاية والاضطلاع بما يدفع إليه من ذلك‏.‏وسرب إليهم المدد من الأموال والأسلحة والجنود وتعهد إليهم بالصبر والثبات في المواطن ونظره من وراء ذلك‏.‏وكان أبو تاشفين كلما أحس من السلطان أبي بكر بنهوض إلى المدافعة عنها أو عزم على غزو كتائبه المجمرة عليها رماه بشاغل يوهن عن عزمه ويمسك عنان بطشه‏.‏وكانت فتنة حمزة بن عمر من أدهى الشواغل في ذلك بما كان يخبب العرب عن الطاعة ويجمع الأحزاب للأجلاب على الحضرة وينصب الأعياص يطمعهم فيما ليس لهم من نيل الخلافة‏.‏وكان ذلك ديدناً متصلاً أزمان تلك المدة‏.‏ولما سرح أبو تاشفين العساكر سنة خمس وعشرين مع إبراهيم ابن الشهيد وحمزة بن عمر وأوليائهم من أهل إفريقية وعقد عليها لموسى بن علي من رجالاته فنازل قسطنطينة ثم أقلع عنها وعاود حصارها سنة ثمان وعشرين‏.‏وشن الغارة في نواحيها واكتسح الأموال ورجع إلى وادي بجاية فاختط مدينة بتيكلات على مرحلة منها وعلى قارعة الطريق الشارع من الغرب إلى الشرق وبما كانت بجاية زائغة عنه إلى البحر فاختطوا تلك المدينة وشيدوها وجمعوا الأيدي عليها وقسموها مسافات على جيوشهم فاستتمت لأربعين يوماً وسموها تيمرزدكت باسم حصنهم الأقدم بالجبل قبالة وجدة حيث امتنع يغمراسن على السعيد ونازله وهلك عليه كما ذكرناه في أخباره‏.‏وشحنوا هذه المدينة بالأقوات والمدد وعمروها بالمقاتلة من الرجل والفرسان والقبائل وأخذت بمخنق البلد‏.‏وقلق السلطان بمكانها فأوعز إلى قواد عساكره وأصحاب عمالاته من مواليه وصنائعه أن ينفروا بعساكرهم إلى صاحب الثغر محمد بن سيد الناس ويزحفوا معه إلى هذا البلد المخروب ويستميتوا دون تخريبه فنهض ظافر الكبير من قسطنطينة وعبد الله العاقل من هوارة وظافر السنان من بونة‏:‏ وتوافوا ببجاية سنة سبع وعشرين‏.‏وبلغ موسى بن علي خبرهم فاستنفر من وراءه من عساكر بني عبد الواد‏.‏وخرجت العساكر جميعاً من بجاية تحت لواء ابن سيد الناس‏.‏وزحف إلى العدو بمخيمهم من تيكلات فكانت الدبرة عليه وعلى أصحابه فقتل ظافر الكبير ورجع فلهم إلى بجاية‏.‏وداخلت ابن سيد الناس فيهم الظنة بما كان يداخل موسى بن عيسى في الزبون كل واحد منهما لصاحبه على سلطانه فمنعهم من دخول البلد ليلتئذ وأسحروا قافلين إلى أعمالهم وعقد السلطان على قسطنطينة لأبي القاسم بن عبد العزيز أياماً‏.‏ثم استقدمه إلى الحضرة ليستعين به محمد بن عبد العزيز المزوار في خطة حجابته بما كان غفلاً من الأدوات التي تحتاج إليها الحجابة‏.‏وعقد على حجابة ابنه الأمير أبي عبد الله بقسطنطينة لمولاه ظافر السنان إلى أن كان من تحويل بنائه ما نذكره‏.‏

  الخبر عن مهلك الحاجب المزوار

وولاية ابن سيد الناس مكانه ومقتل ابن القالون هذا الرجل محمد بن القالون المعروف بالمزوار لا أدري من أوليته أكثر من أنه كردي من الأكراد الذين وفد رؤساؤهم على ملوك المغرب أيام أجلاهم الططر عن أوطانهم بشهرزور عند تغلبهم على بغداد سنة ست وخمسين وستمائة‏:‏ فمنهم من أقام بتونس ومنهم من تقدم إلى المغرب فنزلوا على المرتضى بمراكش فأحسن جوارهم‏.‏وصار قوم منهم إلى بني مرين وآخرون إلى بني عبد الواد حسبما نذكر في أخبارهم‏.‏ومن المقيمين بالحضرة كان سلف ابن عبد العزيز هذا إلى أن نشأ هو في دولة الأمير أبي زكرياء الأوسط صاحب الثغور الغربية وتحت كنف من اصطناعه‏.‏واختلط بأبنائه وقدم في جملة ابنه السلطان أبي بكر إلى تونس مقدماً في بطانته ورئيساً على الحاشية المسمين بالدخلة وكان يعرف لذلك بالمزوار‏.‏وكان شهماً وقوراً متديناً وله في الدولة حظ من الظهور وهو الذي تولى كبر السعاية في الحاجب ابن القالون حتى ارتاب بمكانه‏.‏وفر إلى ابن أبي عمران سنة إحدى وعشرين كما قدمناه‏.‏وولاه السلطان الحجابة مكانه فقام بها مستعيناً بالكاتب أبي القاسم بن عبد العزيز لخلوه هو من الأدوات‏.‏وإنما كان شجاعاً بهمة‏.‏ولم يزل على ذلك إلى أن هلك في شعبان سنة سبع وعشرين وأراد السلطان على الحجابة محمد بن خلدون جدنا الأقرب فأبى ورغب في الإقالة فأجحف جنوحاً لما كان بسبيله منذ سنين من الصاغية إلى الدين والرغبة في السكون والفرار من الرتب‏.‏وأشار على السلطان بصاحب الثغر محمد بن أبي الحسين بن سيد الناس لتقديمه سلفه مع سلف السلطان وكثرة تابعه وحاشيته وقوة شكيمته في الاضطلاع بما يدفع إليه‏.‏أجبرني بهذا الخبر أبي رحمه الله وصاحبنا محمد بن منصور بن مزني قال لي‏:‏ حضرت لاستدعاء جدكم إلى معسكر السلطان بباجة يوم مهلك المزوار وأدخله السلطان إلى رواقه وغاب ملياً ثم خرج وقد استفاض بين البطانة والحاشية أنه دعي إلى الخطة فاستنكرها‏.‏وأقام السلطان يومئذ في خطة الحجابة الكاتب أبا القاسم بن عبد العزيز يقيم الرسم‏.‏واستقدم خالصته محمد بن حاجب أبيه أبي الحسين بن سيد على بجاية وحجابة ابنه بها فدفع إليه للنيابة عنه في الحجابة صنيعته محمد بن فرحون ومعه كاتبه أبو القاسم بن المريد‏.‏وجرى الحال على ذلك ببجاية وعساكر زناتة تجوس خلالها ومعاقلهم تأخذ بمخنقها‏.‏وقدم القالون دوين مقدم ابن سيد الناس بشفاعة من نزيله علي بن أحمد سيد الدواودة وطمع في عوده إلى الخطة‏.‏وكان من خبره أنه لما تخلف عن السلطان بتونس في خدمة ابن أبي عمران أراد ركوب السفين إلى الأندلس فأعجلهم السلطان عن ذلك وخرج مع ابن أبي عمران فأجلب معه على الحضرة مراراً ولحق بتلمسان‏.‏ثم جاء مع ابن الشهيد وفعل الأفاعيل ثم انحل أمر ابن الشهيد ولحق هو بالدواودة من رياح‏.‏ونزل على علي بن أحمد رئيسهم لذلك العهد فأجاره وأنزله بطولقة من بلاد الزاب‏.‏وخاطب السلطان في شأنه واقتضى له الأمان حتى أسعف ووفد على الحضرة مع أخيه موسى بن أحمد وفي نفس القالون طمع في الخطة‏.‏وسبقه ابن سيد الناس إلى السلطان فاستقل بها‏.‏وجاء القالون من بعد فأوصله السلطان إلى نفسه واعتنر إليه ووعده وعقد له على قفصة فسار إليها وصحب موالي السلطان من المعلوجي بشير وفارح وأوعز ابن سيد الناس إلى مشيخة قفصة أن يقبضوا على حاميته ليتمكن الموالي منه‏.‏فلما نزل بساحة البلد دخل كشلي من جند الترك المرتزقة كان في جملته منذ أيام حجابته وكان يستظهر بمكانه‏.‏فلما دخل إلى البلد قتل في سككها فكانت لمقتله هيعة تسامع الناس لغطها من خارج البلد‏.‏وبرز القالون من فسطاطه وقد جث للرعب فتقدم إليه الموالي الذين جاءوا معه وتناولوه طعناً بالخناجر إلى أن هلك والله وارث الأرض ومن عليها‏.‏

  الخبر عن ولاية الفضل على بونة

كان السلطان قد عقد على بونة منذ أول دولته لمولاه مسرور المعلوجي فقام واضطلع بولايتها وكان من الغلظة ومراس الحروب بمكان‏.‏وكان لذلك غشوماً جباراً‏.‏وخرج إلى ولهاصة سنة‏.‏فاضطهدهم وذهبوا إلى مدافعته عن أموالهم فحاربهم‏.‏وبلغ خبر مهلكه إلى السلطان فعقد على بونة لابنه أبي العباس الفضل وبعثه إليها‏.‏وولى على حجابته وقيادة عسكره ظافراً السنان من مواليه المعلوجي فقام بما دفع إليه من ذلك أحسن قيام إلى أن كان من أمرهم ما نذكره‏.‏

  الخبر عن واقعة الرياس وما كان قبلها من مهلك الأمير أبي فارس أخي السلطان

كان السلطان أبو بكر لما قدم إلى تونس قدم معه إخوته الثلاثة محمد وعبد العزيز وعبد الرحمن وهلك عبد الرحمن منهم وبقي الآخران وكانا في ظل ظليل من النعمة وحط كبير من المساهمة في الجاه‏.‏وكان في نفس الأمير أبي فارس تشوق إلى نيل المرتبة وتربص بالدولة‏.‏وكان عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من فحول بني مرين وأعياص ملكهم قدم على الحضرة نازعاً إليها من الأندلس فنزل على ابن عمر ببجاية قبيل مهلكه سنة ثمان عشرة‏.‏ثم لحق بالسلطان فلقاه مبرة ورحباً ووفر حظه وحظ حاشيته من الجرايات والأقطاع‏.‏وجعل له أن يستركب ويستلحق وكان يستظهر به في مواقف حروبه ويتجمل في المشاهد بمكانه من سريره بما كان سيداً في قومه‏.‏وكان قد انعقدت له بيعة على أهل وطنه وكانت فيه غلظة وأنفة وإباء‏.‏وغدا في بعض أيامه على الحاجب ابن سيد الناس فتلقاه الإذن بالغمر فذهب مغاضباً ومر بدار الأمير أبي فارس فحمله على ذات صدره من الخروج والثورة وخرجا من يومهما في ربيع سنة تسع وعشرين ومروا ببعض أحياء العرب فاعترضهما أمير الحي فعرض عليهما النزول‏:‏ فأما عبد الحق فأبى وذهب لوجهه إلى أن لحق بتلمسان وأما الأمير أبو فارس فأجاب ونزل وطير بالخبر إلى السلطان فسرح لوقته محمد بن الحكيم من صنائعه وقواد دولته في طائفة من العسكر والنصارى وصبحوه في الحي وأحاطوا ببيت نزله فامتنع من الإلقاء باليد ودافع عن نفسه مستميتاً فقتلوه قعصاً بالرماح وجاءوا بشلوه إلى الحضرة فدفن بها‏.‏ونزل عبد الحق بن عثمان على أبي تاشفين خير نزل ورغبه فيما كان بسبيله من مطالبة الدولة الحفصية وتدويخ ممالكها ووفد على أثره حمزة بن عمر ورجالات سليم صريخاً على عادتهم‏.‏فأجاب أبو تاشفين صريخهم ونصب لهم محمد بن أبي عمران وكان من خبره أنه تركه السلطان اللحياني عاملاً على طرابلس‏.‏فلما انهزم أبو ضربة وانحل أمره استقدمه العرب وأجلبوا به على الحضرة سنة إحدى وعشرين فملكها ستة أشهر‏.‏ثم أجفل عنها عند رجوع السلطان إليها ولحق بطرابلس إلى أن انتقض عليه أهلها سنة أربع وعشرين وثاروا به وأخرجوه فلحق بالعرب وأجلبوا به على السلطان مراراً ينهزمون عنه في كلها‏.‏ثم لحق بتلمسان واستقر بها عند أبي تاشفين في خير جواره كرامة وجراية إلى أن وصل هذا الوفد إليه سنة تسع وعشرين فنصبه للأمر بإفريقية‏.‏وأمدهم بالعساكر من زناتة عقد عليهم ليحيى بن موسى من بطانته وصنائع أبيه‏.‏ورجع معهم عبد الحق بن عثمان بمن في جملته من بنيه وعشيرته ومواليه وحاشيته‏.‏وكانوا أحلاس حرب وفتيان كريهة فنهضوا جميعاً إلى تونس فزحف السلطان للقائهم وتراءى الجمعان بالرياس من نواحي بلاد هوارة سنة سبع وعشرين فدارت الحرب واختل مصاف السلطان وفلت جموعه‏.‏وأحيط به فأفلت بعد عصب الريق وأصابته في حومة الحرب جراحة وهن لها وقتل كثير من بطانته وحاشيته وكان من أشهرهم محمد المديوني‏.‏وانتهب المعسكر وتقبض على أحمد وعمر ابني السلطان فاحتملا إلى تلمسان حتى أطلقهما أبو تاشفين بعد ذلك في مراسلة وقعت بينه وبين السلطان فاتجه فيها أبو تاشفين وجنح إلى السلم وأطلق الابنين‏.‏ولم يتم شأن الصلح من بعد ذلك‏.‏وتقم ابن أبي عمران بعد الواقعة إلى تونس فدخلها في صفر سنة ثلاثين‏.‏واستبد عليه يحيى بن موسى قائد بني عبد الواد وحجر عليه التصرف في شيء من أمره ثم عاد يحيى بن موسى إلى سلطانه‏.‏ونهض السلطان أبو بكر من قسطنطينة إلى تونس بعد أن استكمل الحشد والتعبية فأجفل ابن أبي عمران عنها ودخل إليها السلطان في رجب من سنته إلى أن كان ما نذكره‏.‏

  الخبر عن مراسلة ملك المغرب في الاستجاشة على بني عبد الواد وما تبع ذلك من المصاهرة

كان السلطان أبو بكر لما خلص من واقعة الرياس نجا إلى بونة وركب منها البحر إلى بجاية وقد ضاق فرعه بإلحاح عبد الواد على ممالكه وتجهيز الكتائب على ثغره وترديد البعوث إلى وطنه فأعمل نظره في الوفادة على ملك المغرب السلطان أبي سعيد ليذكره ما بين سلفه وسلفهم من السابقة مع ما لهم عند بني عبد الواد من الأوتار والإحن لمجث بذلك دواعيهم على مطالبة بني عبد الواد فيأخذ بحجزتهم عنه‏.‏ثم عين للوفادة عليه ابنه الأمير أبا زكرياء وبعث معه أبا محمد عبد الله بن تافراكين من مشيخة الموحدين لساناً لخطابه ونجياً لشوراه‏.‏وركب البحر من بجاية فنزلوا بمرسى غساسة واهتز صاحب المغرب لقدومه وأكرم وفادته واستبلغ في القرى والإجارة وأجاب دعاءهم إلى محاربة عدوهم وعدوه على شريطة اجتماع اليد عليها وموافاة السلطان أبي سعيد والسلطان أبي يحيى بعساكرهما تلمسان لموعد ضربوه لذلك‏.‏وكان السلطان أبو سعيد قد بعث سنة إحدى وعشرين يحيى الزنداجي قائد الأسطول بسبتة إلى مولانا السلطان أبي بكر في الإصهار على إحدى كرائمه وشغل عن ذلك بما وقع من شأن ابن أبي عمران‏.‏فلما وفد عليه ابن السلطان وأولياؤه أعاد الحديث في ذلك وعين للنيابة عنه في الخطبة من السلطان إبراهيم بن أبي حاتم العزفي وصرفه مع العدو فوافوا السلطان بتونس آخر سنة ثلاثين وقد طرد عدوه وشفا نفسه فجاءوه بأمنيته من حركة صاحب المغرب على تلمسان‏.‏وخطب منه إبراهيم للأمير أبي الحسن بن السلطان أبي سعيد فعقد على ابنته فاطمة شقيقة الأمير أبي زكرياء السفير إليهم وزفها إليه في أساطيله سنة إحدى وثلاثين‏.‏وتقدم لزفافها من مشيخة الموحدين أبو القاسم بن عتو ومحمد بن سليمان الناسك وقد مر ذكره فنزلت على محل وثير من الغبطة والعز وكان الشأن في مهرها وزفافها ومشاهد أعراسها وولائمها وجهازها كله من المفاخر للدولتين ولم يزل مذكوراً على الأيام‏.‏

  الخبر عن حركة السلطان إلى المغرب وفرار بني عبد الواد وتخريب تامرزدكت

كان مهلك السلطان أبي سعيد على تفيئة ما قدمناه من الأخبار آخر سنة إحدى وثلاثين وولي السلطان أبو الحسن من بعده فبعث إلى ابن تاشفين يخاطبه في الغض عن عنان عيثه في بلاد الموحدين وطغيانه عليها فلح واستكبر وأساء الرد فنهد إليه في سبيل الصريخ لهم سنة اثنتين وثلاثين وطوى البلاد طياً إلى تلمسان وأفرجت عساكرهم عن بجاية إلى سلطانهم‏.‏وتقدم السلطان عن تلمسان لمشارفة أحوال بجاية والأخذ بحجرة العدو المحاصر لها‏.‏وبعث عسكراً من قومه مدداً لها عقد عليهم لمحمد البطوي وأركبهم أساطيله من سواحل وهران فدخلوها وقوبلوا بما يناسبهم من الكرامة والجراية‏.‏واستنهض السلطان أبو الحسن السلطان أبا بكر لحصار تلمسان معه كما كان شرط بين أبيه وبين ابنه الأمير أبي زكرياء فشرع السلطان في جهاز حركته وإزاحة علله‏.‏وأقام السلطان أبو الحسن بتاسالة في انتظاره شهراً حتى انصرم فصل الشتاء‏.‏وبلغه بمعسكره من تاسالة أن أخاه السلطان أبا علي صاحب سجلماسة انتقض وخرج إلى درعة فقتل عامله بها بعد أن كان داخله وعقد له بعد أبيه على المهادنة والتجافي عنه بمكانه من سجلماسة‏.‏فلما بلغه هذا الخبر كر راجعاً إلى المغرب لإصلاح شأنه‏.‏وكان السلطان أبو بكر قد خرج من تونس واحتفل في الحشد والتعبية فانتهى إلى بجاية وبعث مقدماته إلى ثغور بني عبد الواد المحيطة ببجاية فهزموا كتائبها‏.‏ثم زحف بجملته إلى تيمرزدكت وفرت عنها الكتائب المجمرة بها فأناخ عليها حتى خربها وانتهب أموالها وأسلحتها‏.‏ونسف آثارها وقفل عنها إلى بلد المسيلة أختها في الغي وموطن أولاد سباع بن يحيى من الدواودة كانت مشيختهم سليمان ويحيى ابنا علي بن سباع وعثمان بن سباع عمهم وابنه سعيد قد تمسكوا بطاعة أبي تاشفين وحملوا عليها قومهم ونهجوا للعساكر السبيل إلى وطئ بلاد الموحدين والعيث فيها ومجاذبة حبلها‏.‏وأقطعهم أبو تاشفين بلد المسيلة وجبل متنان ووانوغة وجبل عياض فأصاروها عن أعمالها فلما شرد السلطان عساكرهم عن بجاية وهدم ثغرهم عليها واسترجع أعمال يجاية إليها سار في جموعه إلى هذا الوطن ليسترجع أعماله ويجدد بها دعوته‏.‏وزاد في إغرائه بذلك علي بن أحمد كبير أولاد محمد أقتال أولاد سباع هؤلاء ونظرائهم وأهل أوتارهم ودخولهم فارتحل غازياً إلى المسيلة حتى المسيلة حتى نزلها واصطلم نعمها وخرب أسوارها وبلغه بمكانه منها شأن عبد الواحد ابن السلطان اللحياني وأجلابه على تونس وكان من خبره أنه قدم من المشرق بعد مهلك أبيه السلطان أبي يحيى زكرياء سنة تسع وعشرين فنزل على دباب وبايع له عبد الملك بن مكي رئيس المشيخة بقابس وتسامع به الناس وإفريقية شاغرة من الحامية والعساكر لنهوضهم مع السلطان فاغتنم حمزة بن عمر الفرصة واستقدمه فبايع له ورحل به إلى الحضرة فنزل بمساحتها ودخل عبد الواحد بن اللحياني وحاجبه ابن مكي إلى البلد فأقاموا بها ريثما بلغ الخبر إلى خ السلطان فقفل إلى الحضرة وبعث في مقدمته محمد البطوي من بطانته في عسكر اختارهم لذلك فأجفل ابن اللحياني وجموعه من تونس لخمس عشرة ليلة من نزولهم ودخل

  الخبر عن نكبة الحاجب محمد بن سيد الناس وولاية ابن عبد العزيز وابن الحكيم من بعده

قد قدمنا أولية هذا الرجل وأن أباه أبا الحسين كان حاجباً للأمير أبي زكرياء ببجاية‏.‏ولما هلك سنة تسعين وستمائة خلف ابنه محمد هذا في كفالة السلطان ومرعى نعمته فاشتمل قصرهم عليه وأواه إلى حجره وأرضعه مع الكثير من بنيه ونشأ في كنفه‏.‏وكان الحجاب للدولة من بعد أبيه مثل ابن أبي جبى والرخامي صنائع لأبيه فكانوا يعرفون حقه ويؤثرونه في التجلة على أنفسهم‏.‏ولم يدرك في سن الرجولة والسعي في المجد إلا أيام ابن غمر آخرهم فكان له منه مكان‏.‏حتى إذا ارتحل السلطان أبو يحيى إلى قسطنطينة لطلب تونس وجهز له ابن غمر الآلات والعساكر وأقام له الحجاب والوزراء والقواد كان فيمن سرح معه محمد بن سيد الناس قائداً على عسكر من عساكره‏.‏وكان ظئراً للسلطان فكانت له عنده أثرة واختصاص وعقد له من بعد مهلك ابن غمر على بجاية لما عزل عنها القالون كما قدمناه فاستبد بها على السلطان وحماها دون عساكر زناتة ودفع في صدورهم عنها وكان له في ذلك كله مقامات مذكورة‏.‏وكانت بينه وبين قائد زناتة موسى بن علي مداخلة في زبون كل واحد منهما بمكان صاحبه على سلطانه وفطن لأمرهما‏.‏فأما أبو تاشفين فنكب موسى بن علي كما نذكره في أخباره وأما السلطان أبو بكر فأغضى لابن سيد الناس عنها‏.‏ثم استدعاه وقلده حجابته سنة سبع وعشرين كما قدمناه واستخلف على مكانه ببجاية محمد بن فرحون وأحمد بن المزيد للقيام بما كان يتولاه من مدافعة العدو وكفالة الأمير أبي زكرياء ابن السلطان‏.‏وقدم هو على السلطان وأسكنه بقصور ملكه وفوض إليه أمور سلطانه تفويض الاستقلال فجرى في طلق الاستبداد عليه وأرخى له السلطان حبل الإمهال واعتد عليه فلتات الدالة مع ما كانت الظنون ترجم فيه بالمداهنة في شأن العدو والزبون على مولاه باستغلاظهم‏.‏وأمهله السلطان لمكانه من حماية الثغر ببجاية والاستقلال به دونه حتى إذا تجلت غيابتهم وأطل أبو الحسن عليهم من مرقبه ونهض السلطان أبو بكر إلى بجاية وخرب تيمرزدكت فأغراه البطانه حينئذ بالحاجب محمد بن سيد الناس‏.‏وتنبه له السلطان فأحفظه له استبداده وتقبض عليه مرجعه من هذه الحركة في ربيع سنة ثلاث وثلاثين واعتقله‏.‏ثم امتحنه بأنواع العذاب لاستخراج المال معه فلم ينبس بقطرة فما زال يستغيث ويتوسل بسوابقه من الرضاع والمربى وسوابق أبيه عند سلفه حتى لذعه العذاب فأفحش ونال من السلطان وأقذع فقتل شدخاً بالعصي وجر شلوه فأحرق خارج الحضرة وعفا رسمه كأن لم يكن وإلى الله عاقبة الأمور‏.‏ولما تقبض السلطان على ابن سيد الناس ومحا أثر استبداده قلد حجابته الكاتب أبا القاسم بن عبد العزيز وقد كان قدم من الحمة عند مبايعة ابن مكي لعبد الواحد بن اللحياني فلحق بالسلطان في طريقه إلى تيمرزدكت فلم يزل معه إلى أن دخل حضرته وتقبض على ابن سيد الناس فولاه الحجابة وكان مضعفاً لا يقوم بالحرب فعقد السلطان على الحرب والتدبير لضيعته وكبير بطانته يومئذ محمد بن الحكيم وفوض له فيما وراء الحضرة وهو محمد بن علي محمد بن حمزة بن إبراهيم أحمد اللخمي ونسبه في بني العزفي الرؤساء بسبتة‏.‏وجده أحمد هو أبو العباس المذكور بالعلم والدين والد أبي القاسم المستقل برياسة سبتة بعد الموحدين وكان من خبر أوليته فيما حدثني به محمد بن يحيى بن أبي طالب العزفي آخر رؤساء العزفيين بسبتة والمنقضي أمرهم بها بانقضاء رياسته‏.‏وحدثني بها أيضاً حسين ابن عمه عبد الرحمن بن أبي طالب وحدثني بها أيضاً الثقة عن إبراهيم ابن عمهما أبي حاتم قالوا جميعاً‏:‏ إن أبا القاسم العزفي كان له أخ يسمى إبراهيم وكان مسرفاً على نفسه وأصاب دماً في سبتة وحلف أخوه أبو القاسم ليقتدن منه ففر ولحق بديار المشرق هذا آخر خبرهم‏.‏وإن محمد هذا من بنيه‏.‏وبقية الخبر عن أهل هذا البيت من سواهم أن إبراهيم أنجب محمداً وأنجب محمد حمزة ثم أنجب حمزة علياً فكلف بالقراءة واستظهر علم الطب واستقر في إيالة السلطان أبي زكرياء بالثغور الغربية‏.‏وأصاب السلطان وجع في بعض أزمانه وأعيى دواؤه فجمع له الأطباء وكان فيهم علي هذا فحدس على المرض وأحسن المداواة فوقع من السلطان أحسن المواقع واستخلصه لنفسه وخلطه بخاصته وأهل خلوته وصار له من الدولة مكان لا يجاريه أحد فيه‏.‏وكان يدعى في الدولة بالحكيم وبه عرف ابنه من بعده وأصهر إلى إحدى بيوت قسطنطينة فزوجوه وخلط أهله بحرم السلطان وولد له محمد ابنه بقصره ورضع مع الأمير أبي بكر ابنه ونشأ في حجر الدولة وكفالتها وعلى أحسن الوجوه من ترتيبها‏.‏ولما بلغ أشده صرف إليه رئيس الدولة يعقوب بن غمر وجه إقباله واختصاصه فكان له منه مكان أكسبه ترشيحاً للرياسة فيما بعد من بين خواص السلطان وخلصائه‏.‏لما نهض السلطان أبو يحيى إلى إفريقية قلده قيادة بعض العساكر ثم عقد له بعد مهلك ابن غمر على عمل باجة حين رقى ابن سيد الناس عنها إلى بجاية‏.‏وكان عمل باجة من أعظم الولايات في الدولة فاضطلع به‏.‏ثم لما أمر السلطان بطانته في نكبة ابن سيد الناس دفعه لذلك فولي القبض عليه وكمن له في عصبة من البطانة في بعض الحجر من رياض رأس الطابية‏.‏واستدعى ابن سيد الناس إلى السلطان ويمر بمكانهم فلما انتهى إليهم توثبوا به وشدوه كتافاً وتلوه إلى محبسه بالبرج المعد لقثاف مثله بالقصبة‏.‏وتولى ابن الحكيم من امتحانه وعذابه ما ذكرناه إلى أن هلك وعقد له السلطان مكانه على الحرب والتدبير من خططه وفوض إليه فيما وراء الحضرة كما قلناه‏.‏وجعل تنفيذ الأموال والكتاب على الأوامر لابن عبد العزيز فكان عدله في حمل الدولة إلا أن ابن الحكيم كان أسف فيه لما كان إليه من التدبير في الحرب والرئاسة على الكتابة لرياسة السيف على القلم فاضطلع برياسته وأحسن الغناء والولاية إلى أن كان من خبره ما نذكر‏.‏

  الخبر عن فتح فقصة وولاية الأمير أبي العباس عليها

كان أهل الجريد منذ تقفص عنهم ظل الدولة عند انقسام الملك بين الثغور الغربية والحضرة وما إليها وصار أمرهم إلى الشورى بين المشيخة إلا في الأحايين يؤملون الاستبداد كما كانوا عليه من قبل الموحدين فقد جاء عبد المؤمن إلى إفريقية وبنو الرند على قفصة وقسطيلية وابن واطاس على توزر وابن مطروح على طرابلس فأملوا مثلها وشغل مولانا السلطان أبا بكر عنهم بعد استقلاله بالأمر وانفراده بالدعوة الحفصية شأن الفتنة مع آل يغمراسن بن زيان وأجلاب عساكرهم مع حمزة بن عمر على أوطانه‏.‏حتى إذا أخذ السلطان أبو الحسن بحرجتهم وأطل عليهم من مراقبه فعادوا إلى أوكارهم بعد أن أسفوا وتنفس مخنق الثغور الغربية من حصارهم وزال عن كاهل الدولة إصر معاناتهم‏.‏وسكن اضطراب الخوارج على الدولة وخفتت أصوات المرجفين في ممالكها وصرف السلطان نظره في أعطاف ملكه ومحو الشقاق من سائر أعماله وسمت همته في تدويخ القاصية من بلاد الجريد واستنقاذ أهلها من أيدي الذئاب العاوية والكلاب العادية زعماء أمصارها وأعراب فلاتها فنهض إلى قفصة سنة خمس وثلاثين‏.‏وقد كان استبد بشوراها يحيى بن محمد بن علي بن عبد الجليل بن العابد الشريدي من بيوتاتها فنازلها أياماً والعساكر تلح عليها بأنواع القتال ونصب عليها المجانيق فامتنعوا‏.‏ثم جمع الأيدي حتى قطع نخيلهم وإقلاع شجرائهم فنادوا بالأمان فأمنهم‏.‏وخرج إليه ابن عبد الجليل في ربيع الآخر من سنته فأشخصه إلى الحضرة وأنزله بها ورجالات من قومه بني العابد‏.‏وفر سائرهم إلى قابس فنزل في جوار ابن مكي ودخل أهل البلد في حكمه وتفيأوا بعد أن كانوا ضاحين من الملك كله فأحسن التجاوز عنهم وبسط المعدلة فيهم‏.‏وأحسن أمل ذوي الحاجات منهم بالإسهام والإقطاع وتجديد ما بأيديهم من المكتوبات السلطانية‏.‏ثم آثرهم بسكنى ولده المخصوص بعدئذ بعهده الأمير أبي العباس وأنزله بين ظهرانيهم وأوصاه بهم وعقد له على قسطيلية وما إليها‏.‏وجعل معه على ححابته أبا القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين وقفل إلى حضرته فدخلها في رمضان من سنته‏.‏

  الخبر عن ولاية الأمير أبي فارس بن عزوز وأبي البقاء خالد على سوسة ثم إضافة المهدية إليها

لما نكب السلطان حاجبه ابن سيد الناس وولى محمد بن فرحون على حجابة ابنه الأمير أبي زكرياء وقارن ذلك ما نزل بيغمراسن من عدوهم وتفرغ السلطان للنظر في ملكه وتمهيد أحواله وأن يرسي قواعد أعماله بنجباء أبنائه‏:‏ فعقد على سوسة والبلاد الساحلية لولديه الأميرين عزوز وخالد شريكين في الأمر وأنزلهما بسوسة وأنزل معهما محمد بن طاهر من صنائع الدولة ومن بيوت أهل الأندلس القادمين في الجالية ورياسة سلفهم بمرسية معروفة في أخبار الطوائف‏.‏وكان أخوه أبو القاسم صاحب الأشغال بالحضرة فأقاما كذلك‏.‏ثم هلك محمد بن طاهر فاستقدم السلطان محمد بن فرحون من بجاية ثقة باستبداد ابنه وأن يولي من شاء على حجابته‏.‏وأنزل ابن فرحون مع هذين الأميرين لصغرهما سنة خمس وثلاثين‏.‏ثم استدعاه الأمير أبو زكرياء فرجع إليه وأقام هذان الأميران بسوسة حتى إذا نكب السلطان قائده محمد بن الحكيم واستنزل قريبه محمد بن الركراك من المهدية كان إنزاله بها ابن الحكيم لما افتتحها من يد المتغلب عليها من أهل رجيس ويعرف بابن عبد الغفار واتخذها حصناً لنفسه وأنزل بها قريبه هذا وأشحنها بالعدد والأقوات فلم يغن عنه‏.‏ولما هلك استنزل ابن الركراك وبعث السلطان عليهما ابنه الأمير أبا البقاء وأفرد الأمير أبا فارس بولاية سوسة فأقاما كذلك إلى أن كان من خبر مهلكهما ما نذكره‏.‏